قراءة في رسائل القاهرة خلال زيارة البرهان ا د علي احمد جاد بدر

قراءة في رسائل القاهرة خلال زيارة البرهان
في توقيت بالغ الحساسية اقليميًا، جاءت زيارة رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة، لتكشف بوضوح عن محددات الموقف المصري من الأزمة السودانية، وعن الخطوط الحمراء التي ترى الدولة المصرية أن تجاوزها لم يعد مقبولًا في ظل تطورات الصراع، فخلال اللقاء، لم تكتفِ القاهرة بتأكيد دعمها التقليدي للسودان، بل انتقلت إلى مرحلة الافصاح السياسي الواضح، واضعة إطارًا صريحًا لما تعتبره ثوابت لا تحتمل التأويل أو المناورة.
والرسالة الأولى والأكثر وضوحًا، تمثلت في التأكيد القاطع على أن وحدة السودان وسلامة أراضيه وسيادته الوطنية تمثل خطًا أحمر مصريًا، فالقاهرة ترى أن أي مسار يقود إلى تقسيم الدولة السودانية، سواء عبر الأمر الواقع أو عبر الكيانات الموازية، التى يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري، وهذا الموقف لا ينطلق من الاعتبارات العاطفية أو التاريخية فقط، بل من القراءة الواقعية لتداعيات التفكك، وما يحمله من الفوضى الأمنية، وانتشار السلاح، وتدويل للصراع، بما يضع الاقليم بأسره أمام السيناريو المفتوح على المجهول.
وفي الرسالة الثانية شدد الرئيس السيسي على رفض مصر القاطع لأي محاولات لإنشاء أو الاعتراف بكيانات موازية للدولة السودانية، وهي رسالة تحمل دلالات مباشرة في ظل محاولات فرض الوقائع السياسية أو الإدارية خارج إطار الدولة المركزية، فمن وجهة النظر المصرية، فإن شرعنة الكيانات الموازية تعني عمليًا تفكيك الدولة، وإعادة انتاج نماذج الفشل التي شهدتها المنطقة في أكثر من ساحة، حيث تحولت الميليشيات إلى بديل عن الدولة، والصراع إلى حالة دائمة.
والرسالة الثالثة جاءت متسقة مع النهج المصري الثابت منذ سنوات، وهو دعم مؤسسات الدولة الوطنية، لا للتنظيماتأو الفصائل، فقد أكدت القاهرة أن الحفاظ على المؤسسات السيادية السودانية يمثل الركيزة الأساسية لأي حل سياسي مستدام ، وترى مصر أن استهداف أو تفكيك هذه المؤسسات دون البديل الوطني الجامع، يفتح الباب أمام الانهيار الشامل، ويحول السودان إلى ساحة صراع طويل الأمد، يصعب احتواؤه أو إنهاؤه.
والأهم في تصريحات الرئيس السيسي هو الربط الصريح بين استقرار السودان والأمن القومي المصري، فقد أوضحت القاهرة أن ما يجري جنوب حدودها ليس شأنًا خارجيًا بعيدًا، بل قضية تمس أمنها القومي بشكل مباشر، ومن هنا جاء التأكيد على أن مصر تحتفظ بحقها الكامل في اتخاذ ما يلزم من الإجراءات، في إطار القانون الدولي والاتفاقيات القائمة، إذا ما تم تجاوز هذه الخطوط الحمراء أو تهديد استقرار الدولة السودانية.
والخطاب المصري لم يكن موجهًا للداخل السوداني فقط، بل حمل رسائل واضحة إلى، الأطراف الاقليمية المنخرطة في الصراع، والقوى الدولية التي تدير الأزمة بمنطق المصالح، وكل من يراهن على إطالة أمد الحرب أو استثمارها سياسيًا، فالقاهرة أوضحت أنها تدعم الحل السياسي الشامل، لكنها في الوقت ذاته لن تقف موقف المتفرج إذا تحولت الأزمة إلى تهديد مباشر لاستقرار المنطقة.
والحقيقة أن زيارة البرهان إلى القاهرة لم تكن بروتوكولية، بل مثلت لحظة كاشفة لحدود الصبر المصري، ولطبيعة الدور الذي ترى القاهرة أنه لا غنى عنه في حماية الدولة السودانية.
والرسالة كانت واضحة فمصر لا تتدخل في الشأن السوداني، لكنها لن تسمح بتفكيك السودان، أو تحويله إلى ساحة للفوضى المفتوحة التى تمس أمنها القومي وأمن الاقليم بأسره.
وهي رسالة تعكس انتقال الموقف المصري من مرحلة التحفظ الدبلوماسي، إلى مرحلة الوضوح الاستراتيجي.



