الصومال ..هل تكتمل ولادة الدولة ام تسرق مرة أخرى ؟ إد علي احمد جاد بدر

الصومال… هل تكتمل ولادة الدولة أم تُسرق مرة أخرى؟
لم يعد السؤال في الصومال: هل يمكن بناء الدولة؟
بل أصبح السؤال الأعمق: هل يُسمح لهذه الدولة أن تكتمل؟
فبعد أكثر من ثلاثة عقود على انهيار النظام المركزي عام 1991م ، تبدو مقديشو وكأنها تخوض معركة مزدوجة ، معركة داخلية ضد التفكك والارهاب، ومعركة خارجية ضد تحوّلها إلى ساحة صراع اقليمي.
ومنذ عودة حسن شيخ محمود إلى الرئاسة، ارتفع سقف الخطاب السياسي نحو استعادة السيادة الكاملة ، فالحكومة تتحدث عن جيش وطني موحد، وعن إنهاء المرحلة الانتقالية، وعن استعادة القرار الأمني من القوات الأجنبية.
ولكن الواقع أكثر تعقيدًا ، فالدولة الصومالية ما زالت في طور التشكّل، والفيدرالية لم تُحسم حدودها بدقة، والعلاقة بين المركز والولايات لا تزال محكومة بمنطق التوازنات العشائرية أكثر من كونها محكومة بنصوص دستورية مستقرة.
وتبقى حركة الشباب التحدي الوجودي الأخطر ، فالحملات العسكرية الأخيرة أظهرت قدرة الدولة على المبادرة، خصوصًا عبر تعبئة العشائر ضد الحركة، لكن التنظيم لم يُهزم استراتيجيًا بعد.
والاشكالية ليست فقط في تحرير الأرض، بل في ما بعد التحرير:
هل تستطيع الدولة ملء الفراغ بالخدمات والأمن والتنمية؟
والتاريخ القريب يقول إن الفراغ هو البيئة المثالية لعودة التمرد.
وإعادة هيكلة بعثة الاتحاد الأفريقي تعني عمليًا انتقال العبء الأمني تدريجيًا إلى الجيش الصومالي ، وهنا تكمن لحظة الحقيقة إما أن ينجح الجيش في تثبيت الاستقرار، وإما أن تنكشف هشاشة البنية العسكرية أمام الهجمات الخاطفة التى تعيد عقارب الساعة إلى الوراء.
والدولة لا تُقاس بخطابها السياسي، بل بقدرتها على احتكار العنف المشروع داخل حدودها.
ولقد أعادت مذكرة التفاهم بين أرض الصومال وأثيوبيا طرح سؤال الوحدة الوطنية بقوة، فمقديشو ترى في أي اتفاق منفرد مساسًا مباشرًا بالسيادة، بينما تسعى أرض الصومال إلى تكريس الواقع الانفصالي عبر بوابة الاعتراف غير المباشر.
والأزمة هنا تتجاوز الداخل الصومالي، فهي جزء من صراع أوسع على النفوذ في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهذا ما يجعل ولادة الدولة الصومالية مرتبطة ليس فقط بإرادتها الوطنية، بل أيضًا بتوازنات الاقليم.
ورغم إعفاءات الديون وتحسن بعض المؤشرات، يبقى الاقتصاد الصومالي هشًا، يعتمد بدرجة كبيرة على تحويلات العاملين بالخارج ، ومن دون تنمية حقيقية ستظل الدولة تعاني من ضعف شرعيتها الاجتماعية، لأن المواطن البسيط لا يقيس الدولة بدستورها، بل بقدرتها على توفير الأمان وفرص العيش الكريم.
والصومال اليوم أمام سيناريوهين لا ثالث لهما:
والمعضلة أن الصومال لا تتحرك في الفراغ الجغرافي، فهي تقع في قلب واحد من أكثر الأقاليم حساسية في العالم ، وأي اهتزاز فيها يتردد صداه في البحر الأحمر، والقرن الأفريقي، وحتى معادلات الأمن العربي.
لهذا فإن السؤال ليس عاطفيًا أو إنشائيًا إنه سؤال استراتيجي بامتياز:
هل تكتمل ولادة الدولة الصومالية بعد ثلاثة عقود من المخاض، أم تُسرق مرة أخرى تحت ضغط السلاح والجغرافيا والمصالح الاقليمية؟
الإجابة لم تُحسم بعد… لكنها ستُكتب في السنوات القليلة القادمة.



