مقالات

افغانستان وباكستان…صراع الجغرافيا ام مراجعة العقيدة الأمنية. إد علي احمد جاد

أفغانستان وباكستان… صراع الجغرافيا أم مراجعة العقيدة الأمنية؟
ا د علي احمد جاد
لم يكن التوتر المتصاعد بين أفغانستان وباكستان حدثًا مفاجئًا ، أو طارئًا في المشهد الاقليمي، بل هو تعبير متجدد عن الأزمة البنيوية التى تعود جذورها إلى التاريخ الاستعماري، وتغذيها معادلات الأمن والهُوية والجغرافيا السياسية في جنوب آسيا.
ويقف خط دوراند في قلب الأزمة، ذلك الخط الذي رسمته الامبراطورية البريطانية في القرن التاسع عشر ، فلم يكن مجرد حدود سياسية، بل أصبح رمزًا للانقسام الاجتماعي ، القبلي العميق، خاصة داخل المكوّن البشتوني ، الممتد على جانبي الحدود.
وأفغانستان لم تعترف يومًا بشرعية هذا الخط بوصفه حدودًا نهائية، بينما تعتبره باكستان جزءًا من سيادتها القانونية الثابتة، ومن هنا تتولد المعضلة المستمرة ، النزاع الحدودي ، الذى يحمل أبعادًا قومية وأمنية في آنٍ واحد.
وعندما عادت طالبان إلى الحكم في كابول عام 2021م، ساد الاعتقاد بأن العلاقات بين الجاريين ستدخل مرحلة من الانسجام، نظرًا للتاريخ الممتد من التداخلات السياسية ، والأمنية بين الطرفين ، ولكن التطورات كشفت المفارقة اللافتة ، فالحركة التي كانت يتم قراءتها في إطار الحسابات الباكستانية، أصبحت تتصرف بوصفها السلطة الوطنية ، التى تسعى لتكريس استقلال القرار الوطنى.
ومع تصاعد نشاط الجماعات المسلحة المعادية لإسلام آباد، والاتهامات المتبادلة بشأن توفير الملاذات الآمنة، والضربات العسكرية المحدودة عبر الحدود، فكلها مؤشرات على أن العلاقة دخلت مرحلة إعادة التعريف ، وليست مجرد سوء التفاهم العابر.
ولطالما نظرت باكستان إلى أفغانستان باعتبارها عمقًا استراتيجيًا في مواجهة الهند، غير أن الواقع الحالي يشير إلى تحوّل هذه المعادلة، وبدلاً من أن تكون كابول مساحة نفوذ مريحة، أصبحت مصدر قلق أمني مفتوح، في ظل هشاشة الداخل الباكستاني اقتصاديًا وأمنيًا.
وهنا يظهر مفهوم معضلة الأمن ، فكل خطوة يعتبرها أحد الأطراف دفاعية ، يفسرها الطرف الآخر كتهديد مباشر، فتتولد دائرة التصعيد التى يصعب كسرها.
والحقيقة أن المشهد لا يقتصر على طرفين فقط، فالصين تتابع بقلق، إذ أن استقرار باكستان جزء أساسي من مشروعها الاقتصادي الاقليمي.
والهند ترى في أي إرباك للبيئة الأمنية الباكستانية عنصرًا يعيد تشكيل التوازنات فى جنوب آسيا.
وأما إيران فهي معنية مباشرة باستقرار حدودها الشرقية ، وتوازن القوى في الاقليم.
وبمعنى آخر ، أي انزلاق كبير لن يكون حدثًا ثنائيًا، بل نقطة ارتكاز لإعادة ترتيب التوازنات الاقليمية الأوسع.
فإلى أين يتجه النزاع؟
والسيناريو الأقرب ليس الحرب الشاملة، فالتكلفة باهظة للطرفين، كما أن التهدئة الكاملة تبدو بعيدة في ظل غياب الثقة العميق.
والأرجح أننا أمام مرحلة الادارة صراع منخفض الحدة باشتباكات محدودة، الرسائل العسكرية المتبادلة، والضغوط السياسية غير المعلنة، دون الذهاب إلى المواجهة المفتوحة.
ولكن السؤال الأكثر عمقًا لا يتعلق بالاشتباكات نفسها، بل بمدى قدرة باكستان على إعادة صياغة عقيدتها الأمنية تجاه أفغانستان، ومدى استعداد كابول لفصل خطابها الأيديولوجي عن ضرورات الدولة الحديثة.
فالتوتر الحالي ليس مجرد خلاف حدودي، بل لحظة اختبار تاريخية لعلاقة معقدة ، تشكلت عبر قرن من التداخلات، فإما أن تتحول إلى نموذج لادارة الخلافات في بيئة مضطربة، أو تبقى بؤرة توتر قابلة للاشتعال في أي لحظة.
وجنوب آسيا يقف اليوم على حافة إعادة تعريف موازين القوى…
والعلاقة بين أفغانستان وباكستان ستكون أحد أهم مفاتيح هذا التحول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى