إيران والحسابات الخاطئة :عندما تتحول الايدلوجيا الى عبىء إستراتيجي

ايران والحسابات الخاطئة: عندما تتحول الأيديولوجيا إلى عبء استراتيجي
اد علي احمد جاد استاذ العلوم السياسية
منذ قيام الثورة الاسلامية في ايران عام 1979م، ظل العامل الأيديولوجي أحد أهم محددات السياسة الخارجية الايرانية، فقد قامت الدولة الجديدة على فكرة مركزية ، تتمثل في تصدير الثورة ، وبناء النموذج السياسي الذى يقوم على المزج بين العقيدة الدينية والسلطة السياسية، ومع مرور الوقت، تحولت هذه الأيديولوجيا من مجرد إطار فكري إلى عنصر مؤثر بعمق في صناعة القرار السياسي والاستراتيجي في طهران، غير أن التجربة العملية تشير إلى أن الاعتماد المفرط على الأيديولوجيا قد قاد في كثير من الأحيان إلى حسابات خاطئة ، في إدارة الصراعات الاقليمية والدولية.
والأيديولوجيا بطبيعتها تميل إلى تبسيط الواقع المعقد، فهي تقدم رؤية للعالم تقوم على تقسيمه إلى معسكرات متقابلة ، معسكر الحق ومعسكر الباطل، أو معسكر المقاومة ومعسكر الهيمنة، هذه الثنائية قد تمنح صناع القرار شعوراً بالوضوح واليقين، لكنها في الوقت نفسه قد تؤدي إلى تجاهل التعقيدات الحقيقية للنظام الدولي، وفي حالة ايران، أدى هذا المنظور الأيديولوجي إلى قراءة بعض التطورات الاقليمية والدولية قراءة غير دقيقة، الأمر الذي انعكس في شكل السياسات التى اتسمت بالمغامرة أو المبالغة في تقدير القدرة الذاتية.
ولقد بنت ايران استراتيجيتها الاقليمية على فكرة توسيع النفوذ ، عبر ما يسمى بمحور المقاومة، مستندة إلى شبكة من الحلفاء والقوى المسلحة في عدد من الدول العربية، ورغم أن هذه السياسة منحت طهران نفوذاً ملحوظاً في بعض الساحات الاقليمية، فإنها في الوقت ذاته أدخلت ايران في صراعات متعددة استنزفت مواردها الاقتصادية والسياسية، كما أدت هذه السياسة إلى تصاعد التوتر مع عدد من الدول الاقليمية، الأمر الذي ساهم في تشكيل التحالفات المضادة التى تهدف إلى الحد من النفوذ الايراني.
والمشكلة الأساسية في هذا السياق تكمن في أن الأيديولوجيا كثيراً ما تدفع صانع القرار إلى المبالغة في تقدير التأييد الشعبي أو السياسي لمشروعه خارج حدوده الوطنية، فالقناعة بأن مشروعاً ما يحمل رسالة تاريخية أو دينية قد تجعل أصحابه يعتقدون أن الآخرين سيتقبلونه بالقدر نفسه من الحماس، غير أن الواقع السياسي في المنطقة العربية أظهر أن المجتمعات والدول تتعامل مع هذهالمشاريع بمنطق المصالح الوطنية، وليس بمنطق الشعارات الأيديولوجية.
كما أن الأيديولوجيا قد تخلق لدى القيادة السياسية إحساساً بالثبات واليقين، يجعلها أقل ميلاً لمراجعة سياساتها أو الاعتراف بأخطائها، فالتراجع في المنطق الأيديولوجي قد يُفسَّر أحياناً بوصفه تنازلاً عن المبادئ، حتى لو كان هذا التراجع ضرورياً من منظور المصلحة الوطنية. ومن هنا تتحول الأيديولوجيا من مصدر إلهام إلى قيد يحد من قدرة الدولة على التكيف مع التحولات المتسارعة في البيئة الدولية.
ومن الواضح أن النظام الدولي المعاصر تحكمه إلى حد كبير اعتبارات القوة والمصلحة والقدرة الاقتصادية، وهي اعتبارات لا يمكن إدارتها بالخطاب الأيديولوجي وحده،فالدول التي نجحت في تحقيق مكانة مؤثرة في النظام الدولي، هي تلك التي استطاعت الموازنة بين القيم والمصالح، وبين الهوية الوطنية ومتطلبات الواقعية السياسية.
والتجربة الايرانية تقدم مثالاً واضحاً على التوتر القائم بين الأيديولوجيا والواقعية في إدارة الدولة، فبينما تمنح الأيديولوجيا النظام السياسي الشرعية الداخلية وقوة التعبئة، فإن الافراط في الاعتماد عليها قد يقود إلى القرارات الاستراتيجية التى لا تتوافق مع ميزان القوى الحقيقي في النظام الاقليمي والدولي.
وفي ضوء التحولات العميقة التي يشهدها الشرق الأوسط، يبدو أن التحدي الأكبر أمام إيران لا يتمثل فقط في إدارة صراعاتها الخارجية، بل في إعادة تقييم العلاقة بين الأيديولوجيا والمصلحة الوطنية، فالدول التي تسعى إلى الاستمرار والتأثير لا بد أن تراجع أدواتها الفكرية والسياسية بصورة مستمرة، وأن تدرك أن الأيديولوجيا قد تكون أحياناً مصدراً للقوة، لكنها قد تتحول في أحيان أخرى إلى عبء استراتيجي، يقود إلى الحسابات الخاطئة والتقديرات غير الدقيقة لموازين القوة.
وفي النهاية فإن السياسة الناجحة هي تلك التي تستطيع أن توفق بين المبادئ والواقع، وبين الطموح والقدرة، لأن التاريخ أثبت مراراً أن الدول التي تقودها الأيديولوجيا وحدها كثيراً ما تجد نفسها في مواجهة الحقائق القاسيةالتى لا تعترف إلا بمنطق المصالح والقدرات الفعلية.



