إيران والحرب المؤجلة :كيف استعد النظام الإيراني لعقود ولماذا ؟ علي احمد جاد بدر

إيران والحرب المؤجلة: كيف استعد النظام الايراني لعقود ولماذا؟
منذ انتصار الثورة الاسلامية الايرانية عام 1979م، لم يتعامل النظام الايراني مع فكرة الحرب باعتبارها احتمالًا طارئًا، بل كحقيقة استراتيجية دائمة، فقد نشأ النظام في بيئة صدامية مع القوى الدولية والاقليمية، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية ، وهو ما دفعه إلى تبني عقيدة أمنية تقوم على الاستعداد الطويل لحرب مؤجلة قد تندلع في أي لحظة.
وشكلت الحرب العراقية الايرانية حجر الأساس في الوعي الاستراتيجي الايراني، فقد خاضت طهران حربًا استنزافية قاسية استمرت ثماني سنوات، عززت قناعة القيادة بأن البقاء مرهون بالقدرة على الصمود الذاتي، وليس الاعتماد على التحالفات الخارجية.
ومن هنا تشكلت عقيدة الاكتفاء الدفاعي التي ترتكز علىبناء القدرات العسكرية المحلية ، الاعتماد على الحرب غير المتكافئة، تحويل الجغرافيا إلى أداة دفاع ، ولم يكتفِ النظام بتطوير الجيش التقليدي، بل أسس كيانًا موازياً يتمثل في الحرس الثوري الايراني، الذي أصبح العمود الفقري للاستراتيجية الدفاعية والهجومية على حد سواء.
ويقوم الحرس الثورى الايراني بعدة أدوار حماية النظام من الداخل، إدارة الحروب غير المباشرة، تطوير الصناعات العسكرية والصاروخية، والاشراف على الشبكات الاقليمية، وهنا يظهر بوضوح أن ايران لم تستعد لحرب تقليدية، بل لحروب مركبة، متعددة المستويات.
ولقد أدركت طهران مبكرًا أنها لا تستطيع مواجهة خصومها الكبار بشكل مباشر، لذلك تبنت استراتيجية نقل المعركة خارج الحدود، وقد تجسد ذلك في بناء شبكة من الحلفاء الاقليميين، أبرزهم حزب الله في لبنان، حركة حماس في فلسطين، الفصائل المسلحة في العراق واليمن، وهذه الشبكة تمثل خط الدفاع الأول لايران، حيث تُدار الصراعات بعيدًا عن الأراضي الايرانية، مما يقلل من كلفة الحرب المباشرة.
وركزت ايران على تطوير برنامج صاروخي متقدم كبديل عن التفوق الجوي الذي تفتقر إليه، وقد أصبح هذا البرنامج عنصرًا رئيسيًا في معادلة الردع، حيث يمكنهاستهداف القواعد العسكرية في المنطقة، تهديد الملاحة في مضيق هرمز، خلق توازن الرعب مع الخصوم، وهذا النوع من الردع لا يمنع الحرب، لكنه يرفع كلفتها إلى مستويات غير مقبولة.
وفي مواجهة العقوبات الغربية، تبنى النظام مفهوم الاقتصاد المقاوم، الذي يهدف إلى تقليل الاعتماد على الخارج، دعم الانتاج المحلي، الالتفاف على العقوبات، ورغم التحديات نجحت ايران في بناء الحد الأدنى من الصمود الاقتصادي، الذى يسمح لها بتحمل الضغوط لفترات طويلة.
والسؤال لماذا كل هذا الاستعداد؟
يمكن فهم الدوافع الاستراتيجية الايرانية من خلال عدة اعتبارات:
ولقد نجحت ايران عبر هذه الاستراتيجية طويلة الأمد، في تجنب الحرب الشاملة لعقود، لكنها في المقابل خلقت بيئة مشحونة بالتوترات، حيث تتراكم الأزمات دون حل جذري.
فالاستعداد الدائم للحرب قد يمنعها مؤقتًا، لكنه في الوقت نفسه يزيد من احتمالات اندلاعها بشكل أكثر تعقيدًا وخطورة.
إذن لم تستعد ايران للحرب لأنها تريدها، بل لأنها تعتقد أنها حتمية، وبين منطق البقاء ومنطق التوسع، بنت طهران نموذجًا فريدًا في إدارة الصراع ، حرب لا تُخاض مباشرة، لكنها لا تتوقف أبدًا.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل نجحت هذه الاستراتيجية في حماية ايران، أم أنها وضعتها في قلب العاصفة التى لا يمكن السيطرة عليها؟



