إيران بعد الحرب بين احتمال الانهيار ومنطق الثار ..اي منطق ينتظر الإقليم إد علي احمد جاد بدر

ايران بعد الحرب: بين احتمال الانهيار ومنطق الثأر… أي مستقبل ينتظر الاقليم؟
في لحظات التحولات الكبرى لا تُقاس نتائج الحروب فقط بحجم الدمار المادي، بل بعمق الأثر النفسي والأيديولوجي الذي تتركه في بنية الدولة والمجتمع، والحرب على ايران إذا ما استمرت بهذا النسق التصاعدي تفتح الباب أمام السيناريوهات المركبة ، التى تتجاوز مجرد إضعاف النظام، لتصل إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية والأمنية في الشرق الأوسط.
وأول هذه السيناريوهات يتمثل في إمكانية تآكل الدولة الايرانية من الداخل، فالحروب الممتدة، خاصة تلك التي تستهدف البنية التحتية ومراكز القرار، تُضعف قدرة الدولةعلى الاحتفاظ بوظيفتها الأساسية، السيطرة.
ومع تزايد الضغوط الاقتصادية، واحتدام التوترات القومية (الأذرية، الكردية، البلوشية)، يصبح الحديث عن الدولة المتماسكة محل شك، غير أن سقوط الدولة إن حدث لن يكون لحظة حاسمة بقدر ما هو مسار لتفكك تدريجي قد يستمر لسنوات.
ولكن الخطأ الاستراتيجي يكمن في الاعتقاد أن نهاية الدولة تعني نهاية الخطر، فايران ليست مجرد نظام سياسي، بل هي مشروع أيديولوجي ممتد تأسس منذ الثورة الايرانية 1979م، ونجح في بناء شبكات نفوذ عابرة للحدود، هذه الشبكات سواء في العراق أو لبنان أو اليمن لا ترتبط فقط بالمركز الايراني، بل تمتلك دينامياتها الذاتية، وقد تتحول في حال انهيار الدولة إلى كيانات أكثر راديكالية وأقل انضباطاً.
وهنا يظهر مفهوم الثأر الاستراتيجي، فالدول يمكن أن تنهزم، لكن الأيديولوجيات لا تُهزم بسهولة، بل تعيد إنتاج نفسها في أشكال أكثر عنفاً، والتاريخ يقدم لنا النماذج العديدة فبعد الحرب العالمية الأولى لم ينتهِ الصراع، بل أعاد إنتاج نفسه في صورة أكثر دموية في الحرب العالمية الثانية، وعلى نفس المنوال، فإن تحطيم ايران قد لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى موجة ممتدة من حروب الظل والعمليات غير المتكافئة.
واقليمياً سيكون الخليج العربي في قلب هذا التحول،فبدلاً من مواجهة الدولة المركزية التى يمكن ردعها، قد تجد دول الخليج نفسها أمام شبكة الفاعلين غير الدولتيين المدفوعين بدوافع انتقامية، مما يجعل البيئة الأمنية أكثر سيولة وخطورة، كما أن الممرات البحرية، وعلى رأسها مضيق هرمز، ستظل رهينة هذا التوتر، مما يهدد الاقتصاد العالمي بأسره.
وأما على المستوى الدولي فإن تفكك ايران إن حدث سيخلق فراغاً جيوسياسياً تسعى القوى كبرى لملئه، مثل روسيا والصين، وهو ما قد يدفع نحو إعادة تشكيل توازنات القوى العالمية، وربما إدخال المنطقة في طور جديد من الحرب الباردة الاقليمية.
والسيناريو الأكثر تعقيداً هو ذلك الذي يجمع بين ضعف الدولة واستمرار الأيديولوجيا، ففي هذه الحالة قد نشهد ما يمكن تسميته بـايران بلا دولة ، حيث تتفكك السلطة المركزية، بينما تستمر شبكات النفوذ في العمل بصورة أكثر استقلالية وعدوانية، وهذا السيناريو هو الأخطر، لأنه ينقل الصراع من مستوى الدولة إلى مستوى الفوضى المنظمة.
والخلاصة فإن مآلات الحرب على ايران لا يمكن اختزالها في السؤال التالى: هل يسقط النظام أم لا؟ بل يجب طرح السؤال الأعمق ماذا سيبقى بعد الدولة؟ فإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن كسر الدول دون معالجة الأيديولوجيات التي تحركها، لا يؤدي إلى السلام، بل إلى إعادة إنتاج الصراع بأشكال أكثر تعقيداً وأقل قابلية للسيطرة.
والتحدي الحقيقي أمام صناع القرار اليوم ليس في حسم الحرب، بل في إدارة ما بعدها، لأن أخطر الحروب ليست تلك التي تُخاض بالسلاح، بل تلك التي تستمر في العقول.



