الإصلاح يبداً من مواجهة الفساد ..حكومة الزيدي امام استحقاق بناء دولة المؤسسات

الإصلاح يبدأ من مواجهة الفساد.. حكومة الزيدي أمام استحقاق بناء دولة المؤسسات
بدور الفيلي ..
في اللحظات المفصلية من تاريخ الدول، لا تكون الإصلاحات الحقيقية مجرد قرارات إدارية عابرة، بل مشروعاً وطنياً يتطلب إرادة سياسية وشجاعة في مواجهة الملفات المتراكمة، وفي مقدمتها ملف الفساد الذي يمثل أحد أكبر التحديات أمام بناء دولة قوية قادرة على حماية المال العام وتحقيق العدالة وتقديم الخدمات للمواطنين.
ومن هذا المنطلق، فإن الخطوات الإصلاحية الكبيرة التي تقوم بها حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي في مجال مكافحة الفساد تستحق الدعم والمساندة، لاسيما أن مواجهة الفساد ليست معركة حكومية فحسب، وإنما مسؤولية وطنية تتطلب تضافر جهود الدولة والمجتمع والإعلام والقضاء والجهات الرقابية.
إن مكافحة الفساد لا تعني ملاحقة شخص أو جهة بعينها، بل تعني ترسيخ مبدأ واضح: لا أحد فوق القانون، ولا حماية للفاسد مهما كان موقعه أو نفوذه. وهذه الرسالة هي الأساس في بناء دولة المؤسسات، وهي التي تمنح المواطن الثقة بأن المال العام مصان، وأن الوظيفة العامة مسؤولية وليست امتيازاً أو وسيلة لتحقيق المصالح الخاصة.
ولعل الأهم في أي مشروع إصلاحي هو أن تتحول مكافحة الفساد من إجراءات موسمية إلى منهج ثابت في إدارة الدولة، يبدأ من إصلاح المؤسسات، وتطوير آليات الرقابة، وتشديد إجراءات التدقيق، وتعزيز الشفافية، وإغلاق المنافذ التي تسمح بالهدر والابتزاز واستغلال النفوذ.
إن الحكومة التي تفتح ملفات الفساد بشجاعة، وتعمل على مراجعة مواطن الخلل، وتدعم الأجهزة الرقابية والقضائية، إنما تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها معيار النجاح هو الإنجاز والنزاهة وخدمة المواطن، بعيداً عن المحاصصة والمصالح الضيقة.
وفي هذا السياق، فإن الإعلام الوطني أمام مسؤولية تاريخية أيضاً؛ فدوره لا ينبغي أن يقتصر على نقل الاتهامات أو تضخيمها، بل يجب أن يكون عيناً رقابية مهنية تنقل الحقائق، وتكشف مكامن الخلل، وتدعم كل خطوة إصلاحية حقيقية، وفي الوقت ذاته تمنع تحويل مكافحة الفساد إلى وسيلة للتشهير أو تصفية الحسابات.
إن العراقيين الذين عانوا طويلاً من آثار الفساد والهدر وسوء الإدارة، يتطلعون إلى دولة تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار. ولذلك فإن نجاح الإصلاحات الحكومية لا يقاس بعدد القرارات واللجان، وإنما بما تتركه من أثر ملموس في حياة الناس، وبمدى قدرتها على حماية المال العام وتحسين الخدمات وخلق بيئة اقتصادية واستثمارية أكثر عدالة واستقراراً.
إن دعم الإصلاح لا يعني منح أي حكومة شيكاً على بياض، بل يعني الوقوف مع كل إجراء قانوني ومؤسسي حقيقي يهدف إلى حماية الدولة ومقدرات الشعب. كما أن النقد البناء يبقى ضرورياً لتصحيح المسارات ومنع الأخطاء، لأن الدولة القوية لا تخشى النقد، وإنما تستفيد منه عندما يكون مهنياً ومسؤولاً.
وإذا كانت حكومة الزيدي قد اختارت طريق الإصلاح ومواجهة الفساد، فإن المطلوب اليوم هو استمرار هذا النهج، وتحصينه بالقانون والمؤسسات، وعدم السماح لأي ضغوط أو مصالح خاصة بإعاقة مساره.
فالعراق لا يحتاج إلى شعارات جديدة بقدر حاجته إلى أفعال حقيقية، ولا يحتاج إلى معارك سياسية جديدة بقدر حاجته إلى دولة عادلة تحاسب المقصر وتحمي النزيه وتكافئ المجتهد.
مواجهة الفساد هي معركة من أجل مستقبل العراق، والإصلاح الحقيقي هو الطريق إلى دولة أكثر قوة وعدالة وهيبة. ومن هنا، فإن كل خطوة جادة باتجاه تنظيف مؤسسات الدولة وحماية المال العام تستحق الدعم، ما دامت تحت سقف القانون والدستور والعدالة .



