اردوغان وابي احمد :رسائل القوة في لحظة تقاطع الأزمات

أردوغان وأبي أحمد: رسائل القوة في لحظة تقاطع الأزمات
اد علي احمد جاد بد استاذ العلوم السياسية
في لحظة اقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها أزمات البحر الأحمر مع معادلات القرن الأفريقي وملف سدّ النهضة، تبدو تحركات رجب طيب أردوغان تجاه أبي أحمد أبعد من مجرد المجاملات البروتوكولية، إنها رسائل مركّبة، تحمل في طياتها إشارات الردع، والتحذير، وإعادة التموضع الجيوسياسي.
وأردوغان السياسي المخضرم الذي راكم خبرة عقدين في إدارة التوازنات بين الشرق والغرب، يدرك أن القرن الأفريقي لم يعد ساحة هامشية، بل بات عقدة استراتيجية تربط الخليج بالبحر الأحمر بشرق المتوسط ، ومن هنا فإن رسالته لأبي أحمد يمكن قراءتها في ثلاثة مستويات المستوى الأول:
هو مستوى الردع غير المباشر ومفاد الرسالة أن أي تمدد أثيوبي نحو موانئ حساسة سواء عبر الاتفاقات مع الكيانات الانفصالية أو عبر الترتيبات العسكرية سيضع أديس أبابا في مواجهة شبكة توازنات اقليمية معقدة، تتداخل فيها مصر، ودول الخليج، والفاعلون الدوليون.
وأما المستوى الثانى:
فهو مستوى ضبط الإيقاع وتركيا لا ترغب في انفجار المواجهة المباشرة بين مصر وأثيوبيا حول سد النهضة، لأن ذلك سيقوّض الاستقرار في كامل الحزام البحري الذي تتحرك فيه أنقرة اقتصادياً وعسكرياً، ومن هنا كانت رسالة أردوغان التصعيد سيُكلفك كثيراً، والتهدئة تمنحك مكاسب تفاوضية أكبر.
وأما المستوى الثالث:
مستوى التحذير الجغرافي في رسالة واضحة لأبى أحمد أي توجه أثيوبي نحو الصومال أو اريتريا عبر الترتيبات العسكرية أو البحرية الأحادية، سيُقرأ اقليمياً كخطوة تغيير في ميزان القوى، وتركيا التي تمتلك حضوراً عسكرياً واقتصادياً في الصومال، لن تكون بعيدة عن المعادلة.
والقاهرة بحكم الجغرافيا والتاريخ ليست مجرد طرف في ملف السد، بل هي معنية مباشرة بأي إعادة تشكيل لمعادلة البحر الأحمر، والرسالة الضمنية التي يحملها الخطاب السياسي المتداول تقول إن مصر تراقب المجال الحيوي من البحر الأحمر حتى القرن الأفريقي، وأن أي اقتراب أثيوبي من الممرات الحساسة سيُفسَّر كتحرك استراتيجي لا اقتصادي فقط.
وفي هذا السياق تبدو الرسالة المركبة لأبي أحمد:
لا توسّع بحري دون التفاهمات الاقليمية ، ولا تغيير في التوازنات دون حساب ردود الفعل المصرية، ولا اندفاع نحو الممرات الاستراتيجية دون الغطاء الدولي الواضح.
وسياسة أردوغان الخارجية تقوم على مبدأ تعدد المسارات بعلاقة مع مصر بعد سنوات من التوتر، وحضور قوي في الصومال، وتواصل مع أثيوبيا، وانفتاح على الخليج.
وبالتالي فإن رسالته لأبي أحمد ليست انحيازاً كاملاً لطرف، بل محاولة للتموضع التركي الذى يضمن لأنقرة دور الضابط الاقليمي لا المغامر الاقليمي.
وأثيوبيا تواجه ضغوطاً اقتصادية داخلية ، وهشاشة في البنية الفيدرالية، بالاضافة إلى التوترات الحدودية ، والحساسية الدولية تجاه أي تغيير في وضع البحر الأحمر.
وفي ظل هذه المعطيات، فإن أي خطوة غير محسوبة قد تدفع نحو العزل السياسي أو العقوبات غير المباشرة أو إعادة الاصطفاف الاقليمي ضدها.
إذن الرسالة التي يمكن استخلاصها من تحركات أردوغان هي رسالة التوازن لا التصعيد، والتحذير الناعم لا التهديد المباشر ، وهي دعوة لأبي أحمد لإعادة قراءة المشهد قبل الاقدام على أي تحرك استراتيجي جديد في الصومال أو اريتريا، خصوصاً في ظل اليقظة المصرية الواضحة والتحولات الدولية المتسارعة.
فالقرن الأفريقي لم يعد ساحة فراغ ، والبحر الأحمر لم يعد ممراً مائياً فقط، بل أصبح مسرحاً لتوازنات القوة ، ومن لا يحسب خطواته بدقة في هذه الجغرافيا، قد يجد نفسه محاصراً بالسياسة قبل أن يُحاصر بالجغرافيا.


