دور الإعلام في الوعي بأعادة الدولة الوطنية والحفاظ عليها. ا د علي احمد جاد بدر

دور الاعلام في الوعي بإعادة الدولة الوطنية والحفاظ عليها
في زمن التحولات الكبرى، والصراعات المفتوحة، وحروب المعلومات، لم يعد الاعلام مجرد وسيلة لنقل الخبر أو تغطية الحدث، بل أصبح أحد أهم أدوات تشكيل الوعي الوطني، وبناء الاتجاهات العامة، وصناعة الادراك الجمعي لدى الشعوب، ومن هنا تبرز أهمية الاعلام في قضية شديدة الحساسية والخطورة، وهي قضية إعادة بناء الدولة الوطنية والحفاظ عليها في العالم العربي.
ولقد شهدت المنطقة العربية خلال العقود الأخيرة موجات من الاضطرابات السياسية والأمنية، أدت في بعض الدول إلى تراجع مؤسسات الدولة، وصعود القوى ما دون الدولة، وانتشار النزاعات الأهلية، والتدخلات الاقليمية والدولية، وفي خضم هذه الفوضى، ظهر بوضوح أن معركة الدولة الوطنية ليست فقط معركة عسكرية أو سياسية، بل هي في جوهرها معركة وعي وإدراك وهوية.
والاعلام هنا يتحول إلى خط الدفاع الأول عن فكرة الدولة، باعتبارها الاطار الجامع للمجتمع، والحاضنة الأساسية للأمن والاستقرار والتنمية، فالدولة الوطنية ليست مجرد حدود جغرافية أو مؤسسات إدارية، بل هي منظومة قيم ومصالح مشتركة وشعور بالانتماء والهوية الوطنية، وهذه المعاني لا يمكن ترسيخها دون إعلام واعٍ ومسؤول.
ولقد لعبت بعض المنصات الاعلامية خلال فترات الاضطراب دورًا خطيرًا في تفكيك المجتمعات، عبر نشر خطاب الكراهية، وتأجيج الانقسامات الطائفية والعرقية، والترويج للفوضى بوصفها طريقًا للتغيير، كما ساهم الاعلام غير المهني، أحيانًا عن قصد وأحيانًا بدافع الاثارة، في خلق حالة من التشكيك المستمر في مؤسسات الدولة، بما أضعف الثقة العامة، وفتح المجال أمام الجماعات المتطرفة والتنظيمات العابرة للحدود للتمدد على حساب الدولة.
وفي المقابل فإن الاعلام الوطني المهني يستطيع أن يؤدي دورًا استراتيجيًا في إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، من خلال تقديم الخطاب العقلاني والمتوازن، الذى يشرح التحديات، ويناقش الأزمات بموضوعية، ويطرح الحلول بعيدًا عن التحريض أو التهويل، فالمواطن الواعي هو الحصن الحقيقي للدولة، والاعلام هو الوسيلة الأهم لصناعة هذا الوعي.
ولا يقتصر دور الاعلام على مواجهة الشائعات والحروب النفسية فقط، بل يمتد إلى تعزيز ثقافة المواطنة، واحترام القانون، وترسيخ مفهوم الدولة المدنية الحديثة القائمة على المؤسسات لا الأشخاص، وعلى المشاركة لا الاقصاء، وعلى التنمية لا الفوضى، فكلما نجح الإعلام في تعزيز الانتماء الوطني، تراجعت فرص الاختراق الخارجي والانقسام الداخلي.
كما أن الاعلام يتحمل المسؤولية الكبرى في مواجهة ما يعرف بـحروب الجيل الرابع والخامس، التي تستهدف الدولةمن الداخل عبر بث الاحباط، وتزييف الحقائق، وتفكيك الثقة بين الشعوب ومؤسساتها، فالمعركة الحديثة لم تعد تعتمد فقط على السلاح التقليدي، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على السيطرة على العقول، والتأثير في الادراك الجمعي، وتوجيه الرأي العام.
ومن هنا فإن إعادة بناء الدولة الوطنية العربية يتطلب مشروعًا اعلاميًا عربيًا جديدًا، يقوم على المهنية، والوعي، والانتماء الوطني، والقدرة على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها، كما يتطلب الاستثمار في الاعلام الرقمي، وتطوير الخطاب الاعلامي، وإعداد الكوادر القادرة على التعامل مع التحديات الفكرية والسياسية المعاصرة.
والحفاظ على الدولة الوطنية لم يعد ترفًا سياسيًا، بل أصبح ضرورة وجودية في ظل عالم يموج بالصراعات والتدخلات وإعادة تشكيل النفوذ، والاعلام الواعي يمثل أحد أهم أعمدة هذه المعركة، لأنه يحمي الوعي الجمعي من الاختراق، ويعيد بناء الثقة، ويؤسس لعلاقة صحية بين المواطن والدولة.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأهم أن الدولة لا تسقط فقط بالقوة العسكرية، بل قد تسقط أيضًا عندما يُهزم الوعي، وتتفكك الهوية، وتضيع الثقة، وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للاعلام الوطني المسؤول، بوصفه شريكًا في حماية الدولة، وصناعة المستقبل، والدفاع عن استقرار الأوطان ووحدة شعوبها.



