مقالات

اجتماع سكان الحي …عتاب بغدادي

اجتماع سكان الحي
في حيٍّ قديم، كان هناك بيت معروف للجميع. أهله يعيشون فيه منذ زمن لا يذكره أحد من شدّة قِدمه. ذات يوم جاء نازح، دخل البيت، بدّل الأقفال، علّق اسمه على الباب، ثم أعلن بثقة تثير الإعجاب: “هذا البيت بيتي منذ الأزل”.
المضحك أن بعض سكان الحي صدّقوه.
اجتمع الجيران لمناقشة المشكلة. كان الاجتماع الأول قبل عقود، وما زال مستمرًا حتى اليوم، مع استراحات قصيرة للشاي والخطب الرنانة.
قال أحد الجيران: “يجب أن نطرد الرجل من البيت.”
فردّ آخر: “ولماذا نتورط؟ الحمد لله أنه لم يختر بيتي.”
وقال ثالث: “أنا ضد احتلال البيت طبعًا، لكنني أيضًا ضد رفع الصوت أثناء الاحتجاج على الاحتلال.”
أما الرابع فكان أكثر عملية: “بصراحة، دعونا نتفق مع النازح. ربما إذا أحببناه لن يحتل بيوتنا.”
صفق بعض الحاضرين لهذه العبقرية الاستراتيجية.
في هذه الأثناء، كان صاحب البيت الحقيقي يقف خارج منزله، تحت الشمس والمطر، يشاهد الندوات والمؤتمرات والبيانات التي تُعقد باسمه أكثر مما تُعقد لأجله.
أما الشرطة، فقد كانت حالة خاصة من الإبداع. كلما اشتكى صاحب البيت قالت له: “نفهم معاناتك، لكن لا بد من احترام القانون.”
وعندما سألها عن القانون الذي يسمح لشخص باقتحام منزل غيره، أجابته: “القضية معقدة.”
كانت كلمة “معقدة” السلاح السحري الذي يبرر كل شيء.
بيت مسروق؟ القضية معقدة.
أطفال يتشردون؟ القضية معقدة.
عشرات السنين تمر؟ القضية معقدة.
أما سبب التعقيد الحقيقي فكان بسيطًا جدًا: الجميع وجد مصلحة في استمرار المشكلة أكثر من حلها.
ومع مرور الوقت، لم يعد النازح مجرد شخص يحتل بيتًا. صار يرسل عصابات إلى بعض الجيران، ويهدد آخرين، ويتدخل في شؤون الحي كله. ومع ذلك استمر بعض السكان في إقناع أنفسهم بأن المشكلة تخص البيت الأول فقط.
كان المشهد يشبه رجلًا يرى النار تلتهم منزل جاره ثم يقول مطمئنًا: “لحسن الحظ أن الحريق ملتزم بالحدود.”
كبرت الأجيال، وتغيرت الوجوه، لكن القصة بقيت نفسها. أطفال الحي الذين لم يشهدوا بداية الحكاية صاروا يختلفون حول تفاصيلها أكثر مما يختلفون حول نهايتها. بعضهم نسي أصل القضية، وبعضهم حفظ أسماء الوسطاء أكثر من اسم صاحب البيت، وبعضهم بات مقتنعًا أن وجود النازح أمر طبيعي لأنه ببساطة وُلد فوجده هناك.
وهكذا تحولت جريمة واضحة إلى ملف سياسي، ثم إلى أزمة دولية، ثم إلى مادة للخطابات، ثم إلى إرث ثقيل تتناقله الأجيال.
وفي نهاية كل عام، يعقد سكان الحي اجتماعًا جديدًا لمناقشة الحلول. يتبادلون الكلمات نفسها، والوعود نفسها، والبيانات نفسها، ثم يعود كل واحد إلى منزله.
عدا صاحب البيت.
فهو الوحيد الذي ما زال واقفًا خارج الباب، ينتظر منذ عقود أن يكتشف سكان الحي حقيقة بسيطة للغاية:
أن المشكلة لم تكن يومًا في قوة النازح وحدها، بل في أن الجيران اختلفوا طويلًا حول ما إذا كان اقتحام البيت مشكلة أصلًا المشكله هي هي ان سكان الحي نسيو كيف يتكاتفون بطرد الغريب من الحي . :::وانا هنا لا اتكلم عن بيت ………عتاب بغدادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى