مقالات

قفزات الضفدع. أ د نيرفانا حسين الصبري

مقالي اليوم في الصميم
بعنوان
قفزات الضفدع
بقلم ا. د. نيرفانا حسين الصبري

تتكلم أيقونة حكائية في أدبيات التنمية البشرية والخطاب التحفيزي عن ذلك الضفدع الذي يقفز فزعا لينجو بحياته إذا وضع بماء يغلي بينما حين يضعوه في ماء بارد ويتم تسخين الماء ببطء؛ نجده يستسلم للدفء ويتأقلم معه ولكن في النهاية يموت مسلوقاً دون أن يقفز أو يحاول النجاة.
القصة تُساق دائماً للتحذير من أمر بالغ الاهمية وهو “الاعتياد” ومشاعرها حين يستريح الانسان ويعتاد علي الراحة.

لكن الحقيقة التي لا يعلمها الكثيرون أن هذه الايقونة علمياً “وهمية”!!
ذلك لان الضفدع الحقيقي ليس بهذا الغباء. صحيح أنه من ذوات الدم البارد الذين لديهم القدرة على التكيف مع المتغيرات المحيطة به، لكنه لا يخون غريزته التي تتمثل في جهازه العصبي، وانما تفسير ذلك انه بمجرد أن تصل الحرارة لحد الخطر، لن يسترخي ولن يبرر لنفسه قائلاً: الدفء لطيف .

وهنا سيقف ليتريث قليلاً ولن يقول ربما تتعدل الامور، بل سيقفز فوراً لينجو بنفسه . وهنا يظهر ذكاء الضفدع بمعني أنه لن يتأقلم بالطبع مع هلاكه .

وبالقياس لهذه الايقونة من الادبيات مع الانسان تظهر الحقيقة، أن “الإنسان” هو الكائن الوحيد الذي يفعل ما نُسب زوراً للضفدع! في الاستكانة لضغوطات الحياة
فنحن الذين نملك قدرة هائلة على التكيف مع الجحيم طالما جاءنا بالتدريج .
اغلب الناس للأسف لن يقفزوا في حياتهم لان أغلبهم سيتعلم كيف يتعايش مع الواقع ايا كانت مرارته .
وسيُقنع نفسه أن ما كان يرفضه او يوجعه صار “محتملًا”… وأن ما كان يوقظه صار طبيعيًا ومتوافق معه ولن يستطيع تغييره ، بل سوف يُدرّب نفسه على العيش في ما يهلكه ويميته في النهاية بسبب الضغوط النفسية والمشكلات المتراكمة والاحوال المتغيرة من حوله بسبب استسلامه للواقع ..

وهنا علم النفس يسميها ظاهرة التعود (Habituation)..
حين يتوقف الدماغ عن إطلاق إنذار الخطر ، لا لأن الخطر زال ، بل لأنه صار مألوفاً لدي
الإنسان علي هذه الراحة بهذه الكيفية ، فهو لا يسقط في قاع البئر فجأة ولكن تدريجيا سوف يقع .

هو يسقط بأسلوب “التسخين البطيء”..
بمعني لا يهمه نظرة عابرة لا تخيف.. او كلمة فيها تجريح وإقلال من الشأن .. او تهاون في صغائر الذنوب.. او اعتياد للذنب وقد يقوم بالتبرير له..وربما يستحله واجتراء للذنوب، وكأنها شئ صحيح ومعتاد !
وهنا تتجلى دقة التحذير القرآني:
﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾.
تأمل.. “خطوات”
لا “قفزات”.
الشيطان هنا أقرب لخبير نفسي عتيق، وهو أمكر من أن يلقيك في “ماء الخطيئة المغلي” فجأة، لأن فطرتك ستنتفض وتقفز دون تفكير .
فهو يدرك أن “الصدمة” توقظ الضمير والعقل، فيلجأ للتخدير الموضعي عبر التدرج ، فيستدرجك للمنكر سنتيمتراً بعد سنتيمتر، حتى تجد نفسك في قلب الماء المغلي، وقد شُلّت إرادتك عن القفز، ليس لأنك لا تستطيع، بل لأنك قد “ألِفت” واقع الحرارة.
وأخطر ما قد يصيبك ليس المعصية نفسها، ولكن إعتياد الذنب وألفها بحيث تتصالح مع الغفلة، وتتعايش مع التقصير ، وتقنع نفسك كما يردد من حولك: الماء دافئ والجميع يسبح في نفس الواقع .
وهنا لا تصدقهم لانهم
لا يسبحون، ولكن هم يُطبخون ببطء!
والشئ الاصعب ليست في أن الماء يغلي، بل في أن جهازك العصبي قد توقف عن الصراخ واعتاد الراحة التي تجلب المشاكل وتظلم هكذا في دائرة مغلقة لا تستطيع القفز ولا تفكر كيف تنجو .

إن أخطر مراحل هذه الراحة ومرض الاعتياد هي تلك التي يختفي فيها الألم فجأة، لا لأنك شُفيت، بل لأن الأعصاب قد ماتت واصبحت قليلة الحيلة !
وعلاجك في هذه الحالة هي ان تتحسس حرارة قلبك وعقلك وضميرك الآن ..
فإذا وجدت أن وخز الضمير قد اختفى، وأن قشعريرة المعصية قد صارت دفئاً تستلذه.. فاعلم أنك في المرحلة الأخيرة من الغليان وهذيان العقل، وأن هذا الدفء اللذيذ الذي تشعر به ليس “سلاماً نفسياً”..
بل هو تخدير ومسكن قام به العقل الباطن ليخدعك ويتركك في مهب الريح لا تستطيع معه ان تأخذ قرار ،
وحينها لن تملك طاقة تكفي للقفز بل ستكون جاهزا لمائدة الشيطان .
ولهذا الامر ، عليك تصر علي عدم التأقلم بل حان الوقت للقفز والنجاة والنجاح بقوة الارادة والإدارة لحياتك .
هنا سيكون القفز حتما لحياة طبيعية سوية وليس للراحة الابدية .
والي لقاء قريب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى