المايسترال المصرية تشق أمواج الخليج :القاهرة وإعادة رسم معادلات الأمن العربي إد علي احمد جاد بدر

المايسترال المصرية تشق أمواج الخليج: القاهرة وإعادة رسم معادلات الأمن العربي
ا د علي احمد جاد بدر. استاذ العلوم السياسية
في لحظة اقليمية شديدة التعقيد، تعود الدولة المصرية لتؤكد حضورها الاستراتيجي في الخليج العربي، ليس فقط عبر المواقف السياسية والدبلوماسية، بل أيضًا من خلال أدوات القوة الشاملة التي تمتلكها، وفي مقدمتها القوة البحرية التي أصبحت إحدى أبرز ركائز الأمن القومي العربي، ومن هنا تبدو المايسترال المصرية أكثر من مجرد قطعة بحرية متطورة، إنها رسالة سياسية وعسكرية واستراتيجية تعكس التحولات العميقة في رؤية القاهرة لدورها الاقليمي.
ولقد أدركت مصر مبكرًا أن أمن الخليج لم يعد قضية تخص دولة وحدها، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي العربي، فالتحديات التي تواجه المنطقة سواء تمثلت في التوترات الاقليمية، أو تهديدات الملاحة الدولية، أو محاولات فرض النفوذ بالقوة، جعلت من البحر مسرحًا رئيسيًا للصراع والتوازن في آن واحد.
وفي هذا السياق جاءت حاملات المروحيات من طراز ميسترال لتشكل نقلة نوعية في العقيدة العسكرية المصرية، حيث انتقلت القوات البحرية من مفهوم الدفاع التقليدي إلى مفهوم القوة القادرة على الردع والتأثير والتحرك الاقليمي السريع، فهذه القطع البحرية العملاقة لا تمثل فقط تطورًا تقنيًا، بل تعبر عن رؤية الدولة التى تسعى إلى حماية مصالحها ومحيطها الحيوي في البحرين الأحمر والمتوسط، وصولًا إلى الخليج العربي.
ووجود القوة البحرية المصرية في المياه الاقليمية العربية يبعث برسائل متعددة:
أولها : أن القاهرة استعادت قدرتها على التحرك الاستراتيجي بعيد المدى.
وثانيها : أن الأمن العربي لا يمكن أن يُترك رهينًا للتدخلات الخارجية وحدها.
وثالثها : أن التهديدات الجديدة تتطلب تحالفات عربية أكثر تماسكا وقدرة على التنسيق العسكري والأمني.
ومن اللافت أن التحركات المصرية في السنوات الأخيرة اتسمت بقدر كبير من الاتزان السياسي، فالقاهرة لا تتحرك بمنطق التصعيد أو المغامرة، بل وفق رؤية تقوم على حماية الاستقرار ومنع الانفجار، لذلك فإن الحضور المصري في الخليج لا يُقرأ باعتباره استعراضًا للقوة، بل باعتباره تأكيدًا على الالتزام التاريخي تجاه أمن المنطقة العربية.
ولقد تغيرت طبيعة التهديدات في الشرق الأوسط، فلم تعد الحروب التقليدية وحدها هي الخطر، بل ظهرت التهديدات المرتبطة بالممرات البحرية، والطائرات المسيّرة، والجماعات المسلحة العابرة للحدود، وحروب الطاقة، ومحاولات تعطيل التجارة الدولية، ومن هنا أصبحت السيطرة على البحار وتأمين خطوط الملاحة جزءًا أساسيًا من معادلات النفوذ الدولي والاقليمي.
وفي خضم هذه التحولات تدرك مصر أن موقعها الجغرافي يمنحها مسؤولية مضاعفة، فهي الدولة التي تتحكم في قناة السويس، أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم، وهي كذلك القوة العربية الأكبر القادرة على الربط بين أمن البحر الأحمر والخليج والمتوسط ضمن رؤية استراتيجية واحدة.
والمايسترال المصرية وهي تشق أمواج الخليج، لا تحمل فقط معدات عسكرية أو مروحيات قتالية، بل تحمل أيضًا دلالة رمزية عميقة مفادها أن الدولة الوطنية العربية ما زالت قادرة على حماية مصالحها إذا امتلكت الارادة والرؤية والقدرة.
وربما تكمن الرسالة الأهم في أن العالم العربي بات بحاجة إلى إعادة بناء مفهوم الأمن العربي المشترك بعيدًا عن الشعارات التقليدية، وبالاعتماد على القدرات الحقيقية والتنسيق الفعلي والمصالح الاستراتيجية الواضحة، فالأزمات المتلاحقة أثبتت أن الفراغ لا يبقى فارغًا، وأن أي تراجع عربي تملؤه القوى الاقليمية والدولية التى تسعى لفرض نفوذها على حساب استقرار المنطقة.
ولذلك فإن المشهد الذي ترسمه المايسترال المصرية في مياه الخليج يتجاوز حدود الصورة العسكرية، إنه مشهد يعكس عودة الدولة المصرية إلى ممارسة دورها التاريخي باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة التوازن العربي، وحائط الصد الاستراتيجي في مواجهة العواصف الاقليمية التى لا تهدأ.



