حكومة علي الزيدي في مواجهة التحديات المتشابكة. ا د علي احمد جاد بدر

حكومة الزيدي في مواجهة التحديات المتشابكة
ا د علي احمد جاد بدر. استاذ العلوم السياسية
تأتي حكومة الزيدي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تتداخل الأزمات السياسية مع الضغوط الاقتصادية والتحديات الأمنية، في مشهد إقليمي مضطرب لا يمنح الحكومات رفاهية الوقت أو هامش الخطأ، فالعراق اليوم يقف أمام مفترق طرق تاريخي، إما أن ينجح في إعادة بناء مؤسسات الدولة وترسيخ الاستقرار، أو يظل أسيرًا لحالة الاستنزاف السياسي والصراع المزمن بين القوى المختلفة.
ولقد ورثت الحكومة الحالية تركة ثقيلة من المشكلات المعقدة، تبدأ من الانقسام السياسي الحاد، ولا تنتهي عند ملف الفساد الاداري والمالي الذي أصبح أحد أبرز معوقات التنمية وإعادة الاعمار، كما أن ارتفاع سقف تطلعات الشارع العراقي يفرض على الحكومة التحرك السريع لتحقيق النتائج الملموسة في مجالات الخدمات وفرص العمل وتحسين البنية التحتية، خاصة في ظل الضغوط الاقتصادية العالمية وتقلبات أسعار الطاقة.
ويظل الملف الأمني أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا، فبرغم النجاحات التي تحققت في مواجهة الارهاب خلال السنوات الماضية، إلا أن التهديدات الأمنية لا تزال قائمة، سواء عبر الخلايا المتطرفة أو من خلال حالة السيولة الأمنية التي تفرضها الصراعات الاقليمية المتشابكة، كما أن الحفاظ على سيادة الدولة العراقية يتطلب إدارة دقيقة للعلاقات الخارجية، بما يحقق التوازن بين المصالح الوطنية العراقية والتنافس الاقليمي والدولي الدائر على الساحة العراقية.
وفي الجانب الاقتصادي، تواجه حكومة الزيدي تحديًا لا يقل خطورة، يتمثل في ضرورة تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد المفرط على النفط، خاصة أن الاقتصاد الريعي يظل رهينة لتقلبات الأسواق العالمية، ومن هنا فإن نجاح الحكومة لن يقاس فقط بحجم الانفاق، بل بقدرتها على بناء الاقتصاد الانتاجي الذى يخلق فرصًا حقيقية للتنمية المستدامة ويستوعب الطاقات الشبابية المتزايدة.
كما أن ملف الخدمات العامة يمثل اختبارًا حقيقيًا للحكومة، فالمواطن العراقي لم يعد يكتفي بالوعود والشعارات، بل ينتظر تحسينًا فعليًا في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والنقل، وهذه الملفات تمثل معيار الثقة بين الدولة والمجتمع، وأي إخفاق فيها قد ينعكس سريعًا على المشهد السياسي بأكمله.
ولا يمكن تجاهل أن التحديات التي تواجه حكومة الزيدي ليست داخلية فقط، بل ترتبط أيضًا بطبيعة البيئة الاقليمية المضطربة، حيث تؤثر التوترات في الشرق الأوسط بشكل مباشر على الداخل العراقي، ولذلك فإن الحكومة مطالبة بانتهاج سياسة خارجية متوازنة تحافظ على مصالح العراق، وتمنع تحوله إلى ساحة صراع بالوكالة بين القوى المختلفة.
ونجاح حكومة الزيدي يتوقف على قدرتها في تحقيق المعادلة الصعبة التى تجمع بين فرض هيبة الدولة، وتحقيق التوازن السياسي، وتحسين الواقع المعيشي للمواطن، إلى جانب إدارة العلاقات الاقليمية والدولية بحكمة وواقعية، فالعراق يمتلك من الامكانات البشرية والاقتصادية ما يؤهله للانتقال إلى مرحلة أكثر استقرارًا وقوة، لكن ذلك يظل مرهونًا بوجود إرادة سياسية قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة والانطلاق نحو مشروع وطني جامع.
وفي النهاية فإن حكومة الزيدي تخوض اختبارًا حقيقيًا أمام التاريخ، فإما أن تنجح في تحويل التحديات إلى فرص لإعادة بناء الدولة العراقية الحديثة، أو أن تبقى أسيرة للأزمات المتراكمة التي عطلت العراق طويلًا عن استعادة دوره الطبيعي في محيطه العربي والاقليمي.



