هل كبل الكونجرس الأمريكي يد ترامب في الحرب على ايران. ؟

هل كبل الكونجرس الأمريكي يد ترامب في الحرب على إيران؟
ا د علي احمد جاد بدر استاذ العلوم السياسية
منذ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية ظل الجدل قائماً حول حدود سلطة الرئيس في استخدام القوة العسكرية خارج الحدود الأمريكية، وهو جدل يتجدد بقوة كلما دخلت واشنطن في مواجهة عسكرية طويلة أو مكلفة، وفي هذا السياق جاء تصويت مجلس النواب الأمريكي مؤخراً على قرار يحد من قدرة الرئيس دونالد ترامب على مواصلة العمليات العسكرية ضد إيران دون تفويض صريح من الكونجرس، الأمر الذي أثار التساؤلات العديدة حول ما إذا كان هذا التصويت قد غل يد الرئيس بالفعل أم أنه مجرد رسالة سياسية لا ترقى إلى مستوى الالزام الدستوري.
فلقد أقر مجلس النواب قراراً يطالب الادارة الأمريكية بإنهاء الأعمال العسكرية ضد ايران ما لم يمنح الكونجرس تفويضاً واضحاً أو يعلن الحرب رسمياً، وذلك بأغلبية 215 مقابل 208 أصوات، في خطوة عكست وجود تململ داخل الحزب الجمهوري نفسه من استمرار الصراع وتكاليفه السياسية والاقتصادية، وقد انضم عدد من النواب الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت، وهو ما اعتبره كثير من المراقبين مؤشراً على اتساع دائرة الاعتراض داخل المؤسسة السياسية الأمريكية.
ولكن من الناحية الدستورية والقانونية لا يعني هذا التصويت تلقائياً أن الرئيس أصبح عاجزاً عن اتخاذ القرارات العسكرية، فالقرار ما زال يحتاج إلى استكمال المسار التشريعي داخل الكونجرس، كما أن الرئيس يمتلك حق الاعتراض (الفيتو)، الأمر الذي يجعل تحويل القرار إلى قانون ملزم أمراً أكثر تعقيداً، كما أن الادارات الأمريكية المتعاقبة كثيراً ما تمسكت بتفسير واسع لصلاحيات القائد الأعلى للقوات المسلحة، معتبرة أن للرئيس حق اتخاذ الاجراءات العسكرية لحماية الأمن القومي والمصالح الأمريكية دون انتظار الموافقة المسبقة من الكونجرس في بعض الحالات.
ومن هنا فإن الحديث عن التقييد الكامل للرئيس يبدو مبالغاً فيه، والأدق أن نقول إن الكونجرس وجه إنذاراً سياسياً قوياً للادارة الأمريكية، وأعلن رغبته في استعادة جزء من سلطاته الدستورية المتعلقة بالحرب والسلم، وأما الالزام الحقيقي فلا يتحقق إلا إذا تمكن الكونجرس من استكمال الاجراءات التشريعية اللازمة أو استخدم سلاحاً أكثر تأثيراً، وهو سلطة الاعتمادات المالية، إذ يستطيع نظرياً منع تمويل العمليات العسكرية إذا توافرت الارادة السياسية الكافية لذلك،
وتاريخياً شهدت الولايات المتحدة الأمريكية محطات مشابهة، ففي أزمات عديدة حاول الكونجرس الحد من الصلاحيات العسكرية للرؤساء، إلا أن نجاحه كان متفاوتاً، وغالباً ما كانت السلطة التنفيذية تحتفظ بهامش واسع من الحركة بحكم طبيعة النظام السياسي الأمريكي ومتطلبات الأمن القومي.
وأما سياسياً فإن أهمية التصويت الحالي تتجاوز أثره القانوني المباشر، فهو يكشف عن تزايد القلق داخل الأوساط الأمريكية من استمرار المواجهة مع ايران، خاصة مع انعكاساتها الاقتصادية وارتفاع تكاليفها المالية وتأثيرها على الرأي العام، كما أنه يبعث برسالة إلى الحلفاء والخصوم على السواء بأن الاجماع الأمريكي حول ادارة الحرب لم يعد بالقوة نفسها التي كان عليها في بداية الأزمة.
والخلاصة أن الكونجرس لم يسلب الرئيس ترامب صلاحياته العسكرية بصورة نهائية، ولم يفرض عليه التوقف الفوري عن العمليات ضد ايران، لكنه وجه إليه أقوى رسالة سياسية منذ اندلاع الأزمة، وأكد أن استمرار الحرب دون غطاء تشريعي واضح أصبح موضع خلاف متزايد داخل واشنطن، ومن هنا فإن التصويت يمثل بداية مرحلة جديدة من الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية حول من يملك القرار النهائي في الحرب، أكثر مما يمثل نهاية لسلطة الرئيس في إدارة المواجهة مع إيران.
1



