مقالات

حكمة الملوك تنتصر دائما. بقلم الصحافي عبدالله العبادي

حكمة الملوك تنتصر دائما
بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية

قبل قرون كانت الامبراطورية المغربية مستهدفة من طرف القوى الكبرى لموقعها الاستراتيجي، وأيضا لقوتها ومكانتها الدولية. كان يخوض فيها الشعب المغربي معارك طاحنة من أجل السيادة والوطن، فاستعصى على الغزاة بلوغ أهدافهم، وأن يروا الوطن منهكا وراكعا.
الحروب لم تكن عسكرية فقط في العقود الأخيرة، بل حروب مال واستخبارات وخبث سياسي مقيت. ولم يكن الهدف فقط تقسيم المملكة ولكن كان إسقاط أقدم الملكيات في العالم وتقزيم دور المملكة إقليميا ودوليا هو المطلوب. وخصوصا كسر صورتها التاريخية كقوة ترفض الخضوع.
الجميل فيما حدث، أن المملكة لم تنتصر لأنها الأقوى اقتصاديا وعسكريا أو تكنولوجيا، انتصرت لأنها تملك ما يفتقده الآخرون، وهو الشرعية والإرادة التاريخية، حيث لم تقرأ المملكة الصراعات بوصفها نزاعاً حدودياً، بل باعتبارها مواجهة وجودية تتعلق بصورة المغرب كدولة عريقة، ورفض المساس بشبر واحد من ترابه.
الدبلوماسية المغربية لا تتحرك داخل فراغ سياسي، بل تستند إلى سردية تاريخية وثقافية طويلة ترى أن المملكة تتجاوز الدولة القطرية العادية، إلى قوة حضارية لها مجالها الخاص وإرثها الفكري والتاريخي. للمملكة خصائصها وتراثها الأصيل وبروطوكولات ملكية ضاربة في القدم تثير حقد وحسد الكثيرين. قوة المملكة ليست في المشروع العسكري بل في طريقة النظر إلى الجغرافيا والسياسة والشعوب المحيطة بنا،

الأمر ذاته يظهر عند ليرمنتوف وغوغول وغيرهما من رموز الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، حيث جرى تصوير القوقاز وأوكرانيا باعتبارهما فضاءين يحتاجان إلى “التمدين” الروسي، وكأن الأدب نفسه كان يشارك في ترسيخ صورة الإمبراطورية داخل الوعي الروسي.

ولهذا تبدو الحرب الحالية، بالنسبة إلى جزء واسع من الروس، امتداداً لسردية أقدم من بوتين نفسه، سردية ترى أن روسيا تخوض دائماً معركة دفاع عن ذاتها ضد الغرب، وأن التراجع أمام أوروبا أو الولايات المتحدة ليس مجرد خسارة سياسية، بل تهديد لصورة روسيا التاريخية.

الغرب أخطأ في فهم هذه النقطة.

أخطأ حين تعامل مع موسكو بوصفها دولة قابلة للتركيع بالعقوبات والضغط الإعلامي والعزلة السياسية، وأخطأ أكثر حين ظن أن الروس سيتخلون سريعاً عن دولتهم تحت ضغط التراجع الاقتصادي والخسائر العسكرية، لأن ما يربط الروس بدولتهم ليس مجرد عقد سياسي عابر بل شعور تاريخي طويل تشكل عبر الحروب والغزوات والانهيارات والنجاة المتكررة.

وكانت موسكو قد استعدت منذ سنوات طويلة لهذا النوع من المواجهات، فبنت احتياطاتها المالية، وعمّقت تحالفاتها مع الصين والهند وإيران، وطورت شبكات تجارة بديلة، وبدأت منذ وقت مبكر تفكيك اعتمادها على الغرب، وعندما انفجرت الحرب اكتشف الأوروبيون متأخرين أنهم هم أيضاً رهائن للعلاقة مع روسيا، ورهائن للغاز الروسي، ولأسواق الطاقة، وللجغرافيا التي لا يمكن تغييرها بالخطب السياسية.

وبينما كانت واشنطن تتحدث عن “عزل موسكو”، كانت ناقلات النفط الروسية تواصل الإبحار نحو آسيا، وكانت المصانع الروسية ترفع إنتاجها العسكري، وكانت الروبلات التي توقعوا انهيارها تعود للاستقرار، فيما بدأت المجتمعات الأوروبية تدفع ثمن الحرب تضخماً وركوداً وارتفاعاً جنونياً في أسعار الطاقة والغذاء، حتى بدا أن القارة التي أرادت إنهاك موسكو تستنزف نفسها تدريجياً.

والأكثر قسوة بالنسبة إلى الغرب أن روسيا لم تسقط عسكرياً أيضاً، فكل ما أُرسل إلى كييف من صواريخ ومدافع ودبابات وأقمار صناعية وغرف عمليات مشتركة لم يصنع الهزيمة الروسية الموعودة، في حين تحولت أوكرانيا مع مرور الوقت إلى دولة تعتمد بالكامل على الدعم الخارجي، بجيش يعيش على تدفق السلاح واقتصاد لا يستطيع الصمود دون المساعدات الغربية.

وذلك لأن موسكو لم تدخل الحرب بعقلية المغامرة السريعة بل بعقلية النفس الطويل التي ترى الزمن جزءاً من المعركة، وترى في القدرة على الاحتمال سلاحاً لا يقل أهمية عن الصواريخ، وهنا ظهرت الفجوة الحضارية العميقة بين مجتمع روسي تربى تاريخياً على فكرة الصمود القاسي، ومجتمعات غربية لم تعد تتحمل في العقود الأخيرة سوى الحروب القصيرة والباهظة تقنياً وقليلة الكلفة البشرية.

وقد فهم بوتين نقطة الضعف هذه باكراً، وأدرك أن الديمقراطيات الغربية تتعب بسرعة، وأن الناخب الغربي لا يحتمل سنوات طويلة من الاستنزاف الاقتصادي، لذلك لم يبحث عن انتصار استعراضي سريع، بل عن حرب طويلة تستهلك خصومه ببطء، ونتيجة لذلك تصاعدت الانقسامات السياسية في أوروبا، وبدأت حكومات تواجه غضباً داخلياً، وخرجت تيارات شعبوية تتساءل علناً عن جدوى استمرار الدعم المفتوح لكييف، حتى الولايات المتحدة نفسها بدأت تتحدث بلغة “الحلول الواقعية” و”التسويات الممكنة” بعدما أدركت أن الحرب تحولت إلى حفرة استنزاف لا نهاية واضحة لها.

وهو ما كشف أن الغرب يواجه بلداً يقاتل بعقلية تاريخية لا انتخابية، وبعقلية تعتبر التراجع تهديداً وجودياً لا مجرد خسارة سياسية عابرة، ولتحول أوكرانيا من حرب إقليمية إلى لحظة فاصلة في النظام الدولي كله كشفت أن الهيمنة الأميركية لم تعد مطلقة، وأن العالم الذي نشأ بعد الحرب الباردة بدأ يتشقق أمام أعين الجميع.

وفي هذا المشهد الدولي الجديد، تقف الصين مراقبة للوضع بعناية، وتناور الهند بثقة أكبر، بينما ترفض دول الجنوب العالمي الانجرار الكامل خلف الرواية الغربية، وحتى الحلفاء التقليديون لواشنطن أصبحوا أكثر حذراً في التعامل مع حرب استنزفت المال والسلاح والهيبة السياسية معاً.

إن أخطر ما أنجزه بوتين خلال هذه الحرب ليس السيطرة على أراضٍ جديدة فقط، بل تحطيم الوهم الغربي القديم، ذلك الوهم الذي أقنع العالم لعقود بأن الولايات المتحدة قادرة على إخضاع أي خصم ومحاصرة أي دولة وفرض إرادتها بلا حدود.

اليوم تبدو الصورة مختلفة تماماً، روسيا ما زالت ثابتة في قلب المواجهة، والغرب يواصل إنفاق المليارات بلا حسم، فيما يطل بوتين من وراء أسوار الكرملين، معيداً تقديم بلاده باعتبارها قوة تاريخية لا يستطيع العالم تجاهلها.

وهنا تحديداً تظهر الروح الروسية كما عرفها تاريخها الطويل، عنيدة، قاسية في صبرها، بطيئة في انفعالاتها، لكنها أكثر قدرة على الاحتمال من خصومها، دولة تعرف كيف تحوّل الحصار إلى صمود، والاستنزاف إلى اختبار لإرادة الآخرين.

وكأنها تستعيد ما كتبه شاعرها الأكبر ألكسندر بوشكين قبل قرنين وهو يخاطب العواصم الأوروبية بقوله: “اتركوا لنا هذا النزاع السلافي، فهو خلاف لن تفهموه بالكامل”، فيما تبدو أوكرانيا اليوم ساحةً يتآكل فوقها نفوذ الغرب تدريجياً أمام دولة قررت أن تخوض معركتها حتى النهاية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى